السيد كمال الحيدري
386
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وأما الوجه التطبيقي للمكّي والمدني ، وبيان ثمرته ، فيُمكن تصويره من خلال قوله تعالى : . . . فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ( النساء : 24 ) ، الدالّة على جواز العقد المنقطع ، حيث ذهب بعض أعلام السنّة إلى أنها تدلّ على ذلك ولكنها منسوخة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( المؤمنون : 5 - 7 ) ، حيث تحصر الإذن في الزوجة وما ملكت اليمين ( الجواري ) ، فيخرج العقد المنقطع عن الحلّية . والجواب هو أنَّ آية التمتّع مدنية بالاتفاق ، بل إن سورة النساء بأسرها مدنية ، وأما سورة ( المؤمنون ) فإنها مكّية بالاتفاق أيضاً ، وقد عرفت بأنَّ المكّي لا يصحّ أن ينسخ المدني أبداً لتأخّره عليه ، وبالتالي يكون تعيين المكّي والمدني قد كفانا مؤونة النقاش في ظاهر الآية ووجوه دلالتها ، علماً بأنَّ هذه الآية حتى على فرض كونها مدنية فإنها أجنبية عن موضوع النسخ ، لأنَّ المعقود عليها بالعقد المنقطع زوجة حقيقية ، والآية تقول : ( إ لَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ) ، فمن اقتصر على زوجته بالدائم أو المتعة ، وعلى ما ملكته يمينه يكون ممَّن حفظ فرجه عن الحرام وليس من العادين . وبذلك يتّضح لنا أهمّية موضوعة المكّي والمدني في تحصيل الفهم الصحيح لجملة من الموارد القرآنية . الثالث : أسباب النزول مرّت بنا شذرات حول موضوعة أسباب النزول ، وما يهمّنا في المقام مصادريّته المعرفية في فهم القرآن الكريم ، والمراد من سبب النزول هو الحادثة أو الواقعة سلفاً قبل نزول الآية التي تتحدّث في موضوعها ، من قبيل سورة الكوثر ، فإنَّ سبب نزولها هو أنَّ العاص بن وائل قد تحدَّث مع النبي صلى الله عليه وآله في مكّة ، فسأله قومه مع من كنت تتحدّث ؟ فقال : ذلك الأبتر ، وكان